محمد بن وليد الطرطوشي

331

سراج الملوك

وقال مردك الفارسي « 1 » : خلّتان في السلطان أقرب إلى صلاح الرعية مما سواهما : ثقة الرأي ، وشدة الرحمة . وما أحقّ السلطان أن يسلك بالرّعية كلّ سبيل يصلحون عليه ، ويسودون معه ، فحينئذ يكون رئيس الرؤساء ، وأميرا على السادة والفضلاء ، وإن أهملهم وركوب شهواتهم وتوسّط لذّاتهم ، ذهبت أديانهم ، وسقطت مروآتهم ، وبقوا - كما جاء المثل - في الجماعة المذمومة ، تقول العرب في القوم لا رؤساء فيهم ولا سروات بينهم : ( هم سواسية كأسنان الحمار ) ، وتقول : ( سواسية كأسنان المشط ) وفيهم يقول الشاعر : سواس كأسنان الحمار فلا ترى * لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا ولأن يكون أميرا على الفضلاء والرؤساء خير من أن يكون أميرا على الاخسّاء والرمادية « 2 » والغوغاء « 3 » والأدنياء « 4 » . وقد قال عبد الملك بن مروان يوما ، وقد استقام له الأمر : من يعذرني من عبد الله بن عمر ؟ فإنه أبى أن يدخل في سلطاني ، فقال بعض جلسائه : تستحضره وتضرب عنقه ، وتستريح منه ، فقال عيد الملك : ويلك ، إذا قتلت ابن عمر ، على من أكون أميرا ؟ ولما صار داود « 5 » إلى الحجاز في الدولة العباسية ليقتل من هناك من بنى

--> ( 1 ) مردك أو مزدك الفارسي : صاحب مذهب عند الفرس ظهر على أيام الكسرى قباذ بن فيروز والد كسرى أنوشروان ، ومن مبادئه التي نادى بها : أن الله تعالى جعل الأرض للعباد بالسوية ونحن قاسمون بين الناس ورادّون على الفقراء حقوقهم في أموال الأغنياء ، فجعل أتباعه يدخلون على الرجل فيغلبونه في منزله ونسائه وأمواله ، ولكن قام عليه جماعة الملك قباذ وقتلوه وأعادوا الحكم إلى قباذ ( انظر : المعارف لابن قتيبة ص 663 ) . ( 2 ) هذه صفات السّفلة من الناس والأخسّاء منهم الرمادية من الرماد والرماد الهلاك أو ما يتبقى من المواد المحترقة بعد احتراقها ، والرمد من الثياب الوسخ ومنها عام الرمادة الذي هلك فيه الناس من الجوع حيث يقال أيضا : أرمد الرجل : أي افتقر . ( 3 ) الغوغاء : السفلة من الناس والمتسرعين في الشر ، وتستعمل العامة كلمة الغوغاء للجلبة واللغط . ( 4 ) والدنيء : الذليل الخسيس الناقص . ( 5 ) داود بن علي بن عبد الله بن العباس : أبو سليمان ، عم أبو العباس السفّاح ، كان خطيبا فصيحا ومن كبار الثائرين على بنى أمية ، تولى إدارة الكوفة لما ظهر العباسيون ثم ولاه إمارة المدينة فكان أول من ولى المدينة من بنى العباس وأول من أقام الحج للناس في ولاية العباسيين ومات بالمدينة سنة 133 ه . ( الأعلام 2 / 333 ) .